محمد جواد مغنية
41
في ظلال نهج البلاغة
العلماء الأتقياء وبين الأنبياء من هذه الجهة ، وانما الفرق بين أولي العزم وغيرهم من الأنبياء . وجاء في كثير من التفاسير ان أولي العزم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ( ص ) وقد كان لكل واحد منهم شريعة خاصة أوجب اللَّه العمل بها على جميع خلقه إلى عهد الذي يليه من الخمسة ، فتنسخ اللاحقة الشريعة السابقة . . إلى شريعة محمد ( ص ) سيد المرسلين وخاتم النبيين ، فإنها ناسخة غير منسوخة إلى يوم القيامة ، أما الأنبياء الآخرون - غير اولي العزم - فقد كان كل واحد منهم يعمل بشريعة من سبقه من اولي العزم . وذكرنا عند الخطبة 71 السبب الموجب لختم النبوة بمحمد ( ص ) والشرائع بشريعته . ( وقدر الأرزاق فكثّرها وقللها ، وقسمها على الضيق والسعة ) . هذا مع أمره بالعمل وبذل المجهود « فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللَّه » ولا بد للأرض من العرق والحرث ، أما تقديره تعالى فمبني على المصلحة والحكمة ، وأشار الإمام إلى هذه الحكمة بقوله : ( فعدل - إلى - أتراحها ) . وسع سبحانه في الرزق على هذا ، وضيّق على ذاك ، وهو في قسمته هذه عادل وحكيم ، ووجه العدل انه تعالى قرن بالغني والسعة الكثير من الشدائد كالاسقام والمتاعب ، فقد تمر بالغني لحظات يكون فيها مستعدا لكي ينفق جميع ما يملك للخلاص مما هو فيه . . هذا ، إلى نقاش الحساب على ما جمع وأنفق ، فإن صاحب الدرهم غدا أخف من صاحب الدرهمين كما قال ( أبو ذر ) ، ومن لا يملك شيئا أخف ممن يملك ، وقال سبحانه : « ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى - 7 العلق » أما وجه الحكمة فإنه ، جلت كلمته ، يختبر العباد بالفقر والغنى ليتبين الساخط لرزقه والراضي ، وان كان سبحانه أعلم بالانسان من نفسه ، ولكن لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب على حد ما قال الإمام ( ع ) في بعض حكمه . ( وخلق الآجال فأطالها وقصّرها ، وقدّمها وأخرّها ) . أي قدم حياة بعض وأخّر حياة آخر ، كما قدّم حياة موسى وعيسى على حياة محمد ( ص ) . ( ووصل بالموت أسبابها ) أي أسباب قصر الآجال ونهايتها ، كالمرض والقتل ونحوهما ( وجعله خالجا لأشطانها ) . الهاء في جعله للموت ، وفي الأشطان للآجال ، ومعنى الأشطان الحبال ، والخالج الجاذب ، والمعنى ان الموت يجذب الآجال اليه